ابن أبي شريف المقدسي
230
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
وقال تعالى : وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا . . . الآية ( سورة غافر : 45 - 46 ) . وفي الصحيحين من حديث ابن عمر : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة » « 1 » . وكل من السؤال في القبر وعذابه ونعيمه أمر ( ممكن وردت به هذه الأخبار المتواترة المعنى ، فيجب التصديق به ) وقد تمسك المنكرون للسؤال وعذاب القبر ونعيمه ، وهم ضرار بن عمرو وبشر المريسي « 2 » وأكثر متأخري المعتزلة ، بأن ذلك يقتضي إعادة الحياة إلى البدن ، لفهم الخطاب وردّ الجواب وإدراك اللذة والألم ، وذلك منتف بالمشاهدة ، وذكر المصنف الجواب عن ذلك ، وتوضيحه : أنّا نمنع اقتضاء ذلك عود الحياة الكاملة إلى جميع البدن ، ( وغاية ما يقتضي إعادة الحياة إلى الجزء الذي به فهم الخطاب ورد الجواب ، ) والإنسان قبل موته لم يكن يفهم بجميع بدنه ، بل بجزء من باطن قلبه ، وإحياء جزء يفهم الخطاب ويجيب ممكن مقدور عليه ، وأمور البرزخ لا تقاس بأمور الدنيا ، ( وبه ) أي : بهذا التقرير ، و « الباء » بمعنى : مع ، أي : ومع هذا التقرير ( يبعد قول من قال إنه لا يخلق فيه ) أي : في هذا الميت ( قدرة ولا فعل اختياري ، ) و « يبعد » معناه هنا « 3 » : يظهر بعده ، إذ كيف يجيب الملكين دون قدرة على الجواب ولا اختيار له ، والقول المذكور منقول في « شرح المقاصد » « 4 » عن أهل الحق ، واستشكله مصنفه بجواب الملكين ، ولم يبال المصنف بنسبته إلى أهل الحق ، فبيّن أنه بعيد ، ثم أشار إلى تمسكات المنكرين ودفعها . فأشار إلى التمسكات بقوله : ( وما استحيل به ) ما ذكر من السؤال وعذاب القبر ونعيمه ( من ) جهة ( أن اللذة والألم والتكلم ) كل منها ( فرع الحياة والعلم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز ، باب الميت يعرض عليه بالغداة والعشي ، رقم 1313 ، وأخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، رقم 2866 . ومسلم في كتاب ذكر الموت ، رقم 2866 . ( 2 ) ضرار بن عمرو : الغطفاني الضبي ، أبو عمرو ، قاض من كبار المعتزلة ، طمع برئاستهم في بلده فلم يدركها ، فخالفهم فكفّروه وطردوه ، وصنف نحو ثلاثين كتابا بعضها في الرد عليهم وعلى الخوارج ، توفي نحو 190 ه . ( الأعلام للزركلي ، 3 / 215 ) . ( 3 ) ليست في ( م ) . ( 4 ) انظر : شرح المقاصد ، 5 / 113 .